الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
433
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
والنقل وقد يقال بحصول العلم بها على سبيل الإبهام ونحوه على فرض تحققه لبعض الأشخاص نحو من التوقيف ثالثها أنه إذا قيل بإدراك العقل الحسن والقبح على نحو ما ثبت في الواقع فهل يثبت بذلك حكم الشرع به كذلك فيكون ما تعلق به واجبا أو محرما في الشريعة مثلا على نحو ما أدركه العقل أو لا يثبت الحكم الشرع إلا بتوقيف الشارع وبيانه فلا وجوب ولا حرمة ولا غيرهما من الأحكام الشرعية إلا بعد وروده في الشريعة ولا يترتب ثواب ولا عقاب على فعل شيء ولا تركه إلا بعد بيانه فالمعروف من المذاهب هو الأول بل الظاهر إطباق القائلين بالحسن والقبح عليه عدا شذوذ منهم فإنهم يقولون بالملازمة بين حكم الشرع والعقل فكلما حكم به العقل حكم به الشرع وبالعكس وقد خالف فيه بعض العامة حكاه الزركشي عن جماعة من العامة واختاره قال حكاه الحنفية عن أبي حنيفة نصا وقد مال إليه صاحب الوافية من أصحابنا إلا أنه يرد في المقام وكيف كان فلم يثبت الحكم بثبوت الملازمة المذكورة واستشكل في الحكم بثبوت الحكم في الشريعة بعد استقلال العقل في الحكم بثبوت حسن الفعل أو قبحه وقد تبعه في ذلك السيد الشارح لكلامه وقد ينسب إلى بعض الجماعة المتقدمة القول بإنكار الملازمة المذكورة وليس كذلك بل قد صرح غير واحد منهم بثبوت الحكم إذا قضى به الضرورة العقلية حسبما مر نعم قد يومي إليه بعض أدلتهم وليس صريحا فيه فلا وجه للنسبة المذكورة وقد ظهر بما قررناه أنه قد وقع الكلام في المرام في مقامات ثلاثة إلا أنه لما كان الخلاف المعروف في المقام هو النزاع مع الأشاعرة وكان ذلك هو المعنون في الكتب الكلامية والأصولية وكان أصل نزاعهم في المسألة إنما هو في المقام الأول إنما منعوا من الثاني لتفرعه على الأول لم يفرقوا في المقام بين الأمرين وجعلوا المسألتين مسألة واحدة لما عرفت من اتحاد المناط في البحث معهم في المقامين لكن أدلتهم المعروفة في الكتب الكلامية والأصولية إنما تفيد ثبوت الحسن والقبح في الجملة إذ ليس احتجاجاتهم في المسألة إلا من جهة إدراك العقل لحسن بعض الأفعال وقبحه في الجملة وكأنهم اكتفوا بذلك عن إثبات الكلية بعدم القول بالفصل كما ادعاه بعض الأجلة ويعطيه تتبع كلماتهم في المسألة أو لأنه المثمر في الأحكام الشرعية وأما تلك الدعوى مع قطع النظر عن إدراك العقل لخصوص الحكم فيها فلا يظهر فيها ثمرة مهمة وكيف كان فتلك الأدلة كافية في إبطال ما اختاره الأشاعرة وإن لم تفه بأنفسها بإتمام ما ادعوه في المقام في ذلك مع الأشاعرة في الإيجاب الجزئي والسلب الكلي لينطبق أدلتهم على تمام المقصود ونحن نتكلم في الخلاف الأول نحو ما ذكروه ثم نتبعه بالكلام في المقامين الآخرين وتفصيل القول في ذلك كله في أبحاث ثلاثة البحث الأول في التحسين والتقبيح العقليين والخلاف فيه كما عرفت إنما وقع من الأشاعرة وجمهور العقلاء اتفقوا على إثباته ولنوضح الكلام في ذلك المرام برسم مقامات المقام الأول في بيان محل النزاع في المسألة والإشارة إلى تحديد كل من الحسن والقبح عند المعتزلة والأشاعرة فنقول إن المذكور للفظي الحسن والقبح في كلماتهم إطلاقات عديدة أحدها كون الشيء كمالا وكونه نقصا كما يقال إن العلم حسن والجهل قبيح ولم يذكره العضدي واعتذر له غير واحد من المحدثين بأن الكلام مما يتصف به الأفعال من معاني الحسن والقبح وهما بالمعنى المذكور إنما يتصف بهما الصفات كما في المثال المذكور ولذا نص في حاشية المواقف أنه أمر ثابت للصفات وأنت خبير بصحة اتصاف الأفعال به أيضا إذا نسب إلى أفعال الفاعل بل هي من تلك الحيثية بمنزلة الصفات بل لا يبعد اندراجها فيها ألا ترى أنه يصح أن يقال إن طاعة العبد للمولى كمال العبد كما أن عصيانه له نقص فيه وقد احتج في المواقف من قبل الأشاعرة على امتناع الكذب عليه تعالى بأنه نقص والنقص ممتنع عليه تعالى ثانيها موافقة المصلحة ومخالفتها المراد ما يعم المصلحة الواقعية أو المصلحة الملحوظة بالنسبة إلى جهة خاصة وإن لم تكن له مصلحة في الواقع فالأول كما نقول إن طاعة الله سبحانه حسنة أي مشتملة على مصلحة العبد ومعصيته قبيحة يعني مشتملة على مفسدته والثاني كما تقول إن قتل زيد مصلحة للسلطان أي بالنظر إلى أمور سلطنته وإن كانت للسلطنة وما يؤدي إليها مفسدة له بحسب الواقع وهذا المعنى مما يختلف بحسب الاعتبار بالنسبة إلى الأشخاص فقد يكون وقوع فعل واحد مصلحة لشخص ومفسدة للآخر بل قد يختلف بالنسبة إلى الشخص الواحد كما إذا كان مصلحة له من جهة مفسدة من أخرى ثالثها موافقة الغرض ومخالفتها وجعلها في المواقف وحاشية التجديد للتجريد وغيرهما عبارة أخرى للمعنى الثاني وهو بعيد للمغايرة الظاهرة بينهما ولا داعي إلى التكليف رابعها ملائمة الطبع ومنافرته ذكره الرازي والعميدي وقد يتكلف بإرجاعه أيضا إلى الثاني ولا باعث عليه نعم قد يرجع هذا الإطلاقات إلى الثاني لعدم ثبوت إطلاقهما عليهما بالخصوص فيحتمل أن يكون إطلاقهما عليهما لكونهما نحوين من المصلحة والمفسدة خامسها كون الفعل مشتملا على الحرج خاليا عنه ذكره العضدي وسادسها كونه مما يمدح فاعله أو يذم وقد نص جماعة بأن ذلك هو محل الخلاف ويمكن إرجاع الخامس إليه إذ المراد بالحرج في المقام هو المنع سواء كان من حكم العقل أو الشرع وهو يساوق الذم فيتطابق الحدان في القبح فما يوجد في كلام بعض الأعلام من إخراج الحسن والقبح بمعنى ما لا حرج فيه وما فيه الحرج عن محل الكلام مما لا وجه له إذ لا معنى لحكم العقل بعدم كون الفعل سابقا إلا حكمه بحرمته وترتب الذم عليه ومقصود العضدي وغيره مما ذكر المعنى المذكور إنما هو ببيان اختلاف الحسن إذ لم يلاحظ فيه استحقاق المدح وما لا يساوقه فيه كما اعتبر في الحد الأخير أيضا إذا اكتفي في صدق الحسن بمجرد ارتفاع الذم فلا فرق في الحقيقة بين أخذ الحرج وعدمه في الحدين وأخذ الدم وعدمه فيهما كذلك وكذلك الحال لو أخذ الثواب والعقاب في ذلك ويجري فيها ما يجري في الأولين والحاصل أن المدح والثواب ومطلوبية الفعل يساوق بعضها بعضا كما أن الذم والعقاب والحرج متساوقة فما أورده بعض الأفاضل في المقام من أن ترتب الثواب والعقاب على الفعل مما لا يستقل به العقل إذ لا استقلال له في أمر الآخرة بين الاندفاع إذ ليس المقصود في المقام الحكم بترتب الثواب والعقاب في الواقع بل ليس المقصود إلا حسن الثواب والعقاب على فرض وجودهما على الفاعل وهو لا يتوقف على الاعتقاد بالمعاد الجسماني إذ ضرورة القول به بالنسبة